محمد بن جرير الطبري
351
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
" البأساء والضراء " ، مصدر جاء على " فعلاء " ليس له " أفعل " لأنه اسم ، كما قد جاء " أفعل " في الأسماء ليس له " فعلاء " ، نحو " أحمد " . وقد قالوا في الصفة " أفعل " ، ولم يجيء له " فعلاء " ، فقالوا : " أنت من ذلك أوْجل " ، ولم يقولوا : " وجلاء " . وقال بعضهم : هو اسم للفعل . فإن " البأساء " ، البؤس ، " والضراء " الضر . وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث ، وإن شئت لمذكر ، كما قال زهير : فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ ، كُلُّهُمْ . . . كَأَحْمَرِ عَادٍ ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ ( 1 ) يعني فتنتج لكم غلمان شؤم . وقال بعضهم : لو كان ذلك اسمًا يجوز صرفه إلى مذكر ومؤنث ، لجازَ إجراء " أفعل " في النكرة ، ولكنه اسم قام مقام المصدر . والدليل على ذلك قوله : " لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ " ، ( 2 ) بغير إجراء . وقال : إنما كان اسما للمصدر ، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر . وقال غيره : لو كان ذلك مصدرًا فوقع بتأنيث ، لم يقع بتذكير ، ولو وَقَع
--> ( 1 ) ديوانه : 20 ، من معلقته الفريدة . وهي من أبياته في صفة الحرب ، التي قال في بدئها ، قبل هذا البيت : وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ . . . وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيث المُرَجَّمِ مَتَى تَبْعَثُوهَا ، تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً ، . . . وتَضْرَ ، إذا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ فَتَعْرُكَكُم عَرْكَ الرَّحَا بِثِفَالِهَا . . . وَتلْقَحْ كِشافًا ، ثم تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ يقول : إن الحرب تلقح كما تلقح الناقة ، فتأتي بتوأمين في بطن . وقوله : " أحمر عاد " يعني أحمر ثمود ، فأخطأ ولم يبال أيهما قال . وأحمر ثمود ، هو قدار ، عاقر ناقة الله فأهلكهم ربهم بما فعلوا . يقول : إن الحرب ترضع مشائيمها وتقوم عليهم حتى تفطمهم بعد أن يبلغوا السعي لأنفسهم في الشر . ( 2 ) يقال " فلان غير أبعد " ، أي لا خير فيه . ويقال : " ما عند فلان أبعد " أي لا طائل عنده . قال رجل لابنه : " إن غدوت على المربد ربحت عنا ، أو رجعت بغير أبعد " ، أي بغير منفعة .